محمد ابراهيم شادي
106
إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )
مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ) [ البقرة : 212 ] . ومع هذا تبقى تلك الوجوه التي ذكرها الشيخ دراز محتملة ما عدا الاحتمال الثالث وهو أن اللّه يرزق من يشاء من غير معاتبة له أو مناقشة على عمله . فذلك مستبعد ولا يمكن أن يكون يوم القيامة . إنما الرزق الذي يتحدث عنه للمتقين : ( وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ) . على أن قابلية اللفظ القرآني أو الجملة القرآنية لأوجه دلالية كثيرة مرهون بقابلية السياق ، فالسياق هو الذي يحدد الوجوه المحتملة . ومن ألفاظ القرآن ما لا تحتمل إلا وجها واحدا ، ولو احتملت غيره لقدح ذلك في معناها كآيات الأحكام من مثل قوله تعالى : ( يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ) [ النساء : 11 ] . فحسب تلك الآية القرآنية أنها أعطت سبعة أحكام في الميراث في أقل حيز عن طريق الألفاظ المحددة الدلالة . ومع ذلك فإن الآية لم تتخل عن المنهج القرآني الذي يخاطب العقل والوجدان معا . أما خطاب الفكر فواضح في توالى تلك الأحكام . وأما خطاب الوجدان فظاهر في صدر الآية وفي عجزها . فلم تبدأ الآية بقوله مثلا : فرض اللّه عليكم للذكر مثل حظ الأنثيين . . إلخ وإنما بدأت بتوصية اللّه سبحانه الآباء في أولادهم . ومن الواضح أن المقصود أقارب هؤلاء الأولاد الذين مات أبوهم لأن توزيع التركة ( لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ) لا يكون إلا بعد موت الأب . فالخطاب إذن لأقرب الناس إليهم قائلا لهم : " يوصيكم اللّه في أولادكم " أي عدوّهم أولادكم ، وعدوّا أنفسكم آباء لهم بعد وفاة أبيهم برعاية مصالحهم وتوزيع التركة عليهم حسب تشريع اللّه الذي شرعه فيهم . فهذه البداية تستثير عواطف الرحمة . ثم نجد قرب نهاية الآية قوله سبحانه : ( آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً ) وفيه تذكير بالموت ،